يرفض نصر الله التدويل الذي تحدثت عنه مبادرة البطريرك الماروني بشارة الراعي حول قيام مؤتمر دولي من أجل لبنان. يرى البطريرك أن لبنان بات بلدا عاجزا تتسبب طبقته الحاكمة بالكوارث والحال المزري الذي وصل إليه اللبنانيون. فإذا ما كان ساسة البلد بعد 100 عام على إنشائه غير قادرين على انقاذ لبنان من محنه، فحري طلب المعونة من الأمم المتحدة.

لا يريد البطريرك استدراج تدخل دولي في لبنان. يقول إن على اللبنانيين تشخيص عللهم والاعتراف بها والطلب بعد ذلك من هذا الخارج مساعدة البلد على معالجتها. والواضح أن في مبادرة البطريرك شرطين. الأول قبول اللبنانيين بالتشخيص والعلاج. والثاني قبول المجتمع الدولي بلعب دور تاريخي ما لمقاربة قضية لبنان.

لا شيء حتى الآن يدعو إلى استنتاج أجندة سياسية داخلية أو خارجية من تحرك البطريرك باتجاه الدعوة إلى هذا المؤتمر. لم يصدر عن فرقاء الداخل ما يمكن أن يرقى إلى مستوى الحراك السياسي في هذا الشأن، ولم يصدر عن أي منابر خارجية ما يدعم ويشجع البطريرك على المضي قدما في مشروعه.

لكن التحفظ أتى من محيط رئاسة الجمهورية. أرسل التيار الوطني الحر وفدا إلى البطريرك في محاولة لاستمالة البطريرك الذي بدا في عظاته يأخذ مسافة من الطبقة السياسية برمتها بما في ذلك الرئيس ميشال عون. لدى "العونيين" شعور أن المزاح الدولي (بما في ذلك الروسي) ليس لصالح تيارهم السياسي، خصوصا بعد خضوع رئيسه جبران باسيل، منذ نوفمبر الماضي، لعقوبات أميركية تستند على قانون ماغنتسكي "لدوره في الفساد في لبنان"، وفق بيان وزارة الخزينة الأميركية.

غير أن الرسالة العونية المتحفظة لم تثنِ بطريرك الموارنة عن سعيه لقيام هذا المؤتمر، لا بل أن أوساط بكركي تفيد بأن البطريركية ستصعّد مواقفها وتسرع خطواتها في هذا الشأن. وفق هذا المعطى أعلن نصر الله رفض الفكرة محذرا مما قد يحمله الأمر من ويلات على البلد.

لا نملك معطيات محسوسة حول جدية تحول مبادرة البطريرك إلى ورشة دولية كبرى. والظاهر أن زعيم حزب الله يملك قراءة متوجسة من أن يتحول الاحتمال الدولي إلى حقيقة. 

البطريركية ليست مؤسسة دينية روحية فقط. هي صرح مؤسس للبنان ووراء نشأته بالخرائط التي صدرت عام 1920. وللبطريركية مواقف تاريخية لطالما اصطدمت مع الساسة المسيحيين قبل المسلمين للحفاظ على الفكرة اللبنانية التعايشية التعددية. وفي تاريخها الحديث وقفت البطريركية مبكرا ضد الوجود السوري في لبنان، وسعت من خلال "مصالحة الجبل" إلى استعادة اللبنانيين لدورهم البيتي بعيدا عن وصاية دمشق.

يرفض نصر الله التدويل لأن في الأمر محاولة للخروج من سلطة الأمر الواقع. يريد الراعي العودة إلى المجتمع الدولي لكون لبنان جزءاً من المنظومة الدولية وعضوا فاعلا في مؤسساتها، فيما ينذر أمر ذلك، بالنسبة لحزب الله، بخروج لبنان من حدائق إيران وتحريره من سطوة السلاح وإعادة الاعتبار لدولته. وإذا ما كان أمر ذلك معقدا، فإن مجرد القبول بفكرة التدويل ينهي الحصرية التي تمتلكها إيران وحزبها لإدارة شؤون البلد وتحديد مساراته.

لم يوار نصر الله تلك الخشية من التدويل فيما هو "استقواء بعض اللبنانيين على بعضهم الآخر". فالقوة وجب أن تبقى بيد حزبه لا تنافسها قوى أخرى. وإذا لم يقتنع اللبنانيون، فقد أطلق نصر الله وابلا من أخطار ذلك التدويل، من حيث إنه "يفتح الباب أمام مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين، وربما أمر مشابه يرتبط باللاجئين السوريين، أو ترسيم الحدود" اللبنانية الإسرائيلية.

في التلويح بأخطار توطين اللاجئين تخويف للطوائف في لبنان واستدعاء لغرائزها. وفي كل مرة تصاب الزعامة السياسية بضيق تستدعي عدّة اللعب على الوتر الطائفي أو المذهبي لعلها تخلط الأوراق وتقلب الطاولات الحرجة. واللافت أن مبادرة البطريركية هزّت مياه راكدة فنشطت من جديد حركة للإفراج عن حكومة يريدها هذا المجتمع الدولي.

قد لا ينعقد أي مؤتمر دولي يبشر به البطريرك لكن الثابت أن مؤتمر نصر الله التأسيسي بات متقادما خارج هذا الزمن.