يتساءل الكثيرون، لا سيّما من أصحاب نظريّة السيكولائيّة الاجتراريّة والجمود الأرثوذكسيّ السياسيّ غير المُقدَّس: "وهل للإمارات قضيّة مع إسرائيل حتّى تعقد اتّفاقية سلامٍ، ثمّ إنّنا نعلم علم اليقين أنّه لا حدود لإسرائيل مع اﻹمارات، ومن المنطقيّ ألا تكون هناك معارك عسكريّة قد جَرَت بينهما، كما هو الحال مع ما كان يُعرَف بِـ"دول الطوق سابقًا"، والتي تَوَصَّل بعضُها مثل مصر والأردن إلى اتّفاقيات سلام مع إسرائيل لخدمة مصالحهم الإستراتيجيّة؟

يحتاج الجوابُ الرجوعَ إلى أفكار عالم الاجتماع النرويجيّ الكبير "يوهان غالتونغ"، الرجل الذي وضع خطوط الطول والعرض بين "السلام الإيجابيّ"، والقائم على  مفاهيم تقدّميّة، و"السلام السلبيّ" الممكن إسناده للمعطيات السلبيّة.

السلام السلبيّ يعني باختصار مفيد التوقُّف عن الحروب والنزاعات، وقطع الطريق على الصدامات والمعارك، أي وضع حدٍّ لنزيف الدم عبر آليّات عدّة، في المقدّمة منها قوّات حفظ السلام والتي تفصل المتحاربين، وإقامة المناطق الفاصلة وإلى ما هنالك من تلك اﻷفكار المعروفة والمألوفة والموصوفة.

أمّا السلام الإيجابيّ الذي نتحدّث عنه، والذي تُعتبَر الإمارات هذه الأيّام قيادةً وشهادة حيّةً له وعنه، فيتمثّل فيما هو أبعد من ذلك الأفق الضّيّق والمحدود، بمعنى أنّه سلام كفيل بتغيير شكل العالم المعاصر، وبِتجاوُز أنماط الصراعات المتأصّلة، والقفز على العداوات التاريخيّة، ووضع حدّ للخصومات العِرْقيّة والمذهبيّة، تلك التي تحكَّمتْ في مسارات ومساقات العقول لعقود وآجال طوال، وجعله عالمًا يسوده التعاون ويَعُمّه الانسجام، عالمًا من بناء الجسور، وهَدْم الجدران.

لعلّ السلام التقدّميّ الإماراتيّ أمضى من معارك السيوف اللامعة في معناها ومبناها المجازيّ، ذلك أنّه أوّل اﻷمر وأهمّه يخلق معطيات جديدة في الداخل الإسرائيليّ عن العربيّ الساعي للسلام، لا ذاك الذي يودّ إلقاء إسرائيل وشعبها في البحر، وبذلك يفتح الدروب أمام تعزيز رؤية معسكر السلام هناك. وعند نقطة براجماتيّة بعينها سيجد هؤلاء أنّ عليهم تفعيلَ مقاربةٍ عقلانيّة ومنطقيّة بين الذهاب قُدُمًا في قضم الأراضي الفلسطينيّة، وبالتالي التسبُّب في ضياع اﻷمل في قيام دولة فلسطينيّة مستقلّة عمّا قريب، وبالتالي العودة للتمترس وراء الغيتو اﻹسرائيليّ من جديد، أو اﻹقدام على إحقاق حقوق الشعب الفلسطينيّ، وبالتالي الانطلاق في رحابة العمق الجغرافيّ والديموغرافيّ العربيّ واﻹسلاميّ، شرق أوسطيًّا  وعالميًّا دفعةً واحدةً.

حين تَحَدَّث وزير الدولة اﻹماراتيّ لشؤون الخارجيّة الدكتور أنور قرقاش أمام أعمال الدورة 154 قبل بضعة أيّام أمام مجلس جامعة الدول العربية التي عُقِدتْ على مستوى وزراء الخارجيّة العرب، كان الرجل تقدّميًّا جدًّا في بَلْوَرة مفهوم السلام الإماراتيّ، ذلك الذي يستقطب راغبي ومحبّي السلام إلى جانب الاتّجاه الذي يوقف ضمّ الأراضي الفلسطينيّة،  بعد أن رأوا يدًا عربيّة تمتدّ برؤية ومنظور جديد، يراكم في فرص النماء والبناء، ويقطع الطريق على التنميط العدائيّ التقليديّ الذي عاشته المنطقة طوال قرابة ثمانيّة عقود، وبهذا تأتي معاهدة السلام اﻹماراتيّة اﻹسرائيلية لتكون قيمةً مضافة لعدالة القضيّة المحوريّة للعرب وليس خصمًا منها كما يُخَيَّل لأصحاب الذهنيّة الأحاديّة.

يضع السلام التقدّميّ الإماراتيّ مع إسرائيل التطرّف والمتطرّفين أمام حقيقة مستجدّة، وهي أن السلام لا يزال مرغوبًا ومحبوبًا، وأنه يقدّم معادلات مثيرة للبقاء بخلاف فكر القضاء على  اﻵخر، ذلك الطرح الدوجمائيّ الذي بات عقيمًا.

حين نتحدّث عن اﻷصوليّين والمتطرّفين فإنّنا نجدهم على الجانبَيْن، الإسرائيليّ والعربيّ، ولهذا ربّما يرتفع صوتُهما للمرّة اﻷولى بالاتّفاق على  هدف واحد، وهو رفض السلام، ذاك الذي يمثِّل مخاطر حقيقيّة لمشروعهم الإقصائيّ والحامل لبذور الكراهية وجينات العداوات.

منذ ربع قرن، لم تتحرّك المياه في بحر السلام العربيّ الإسرائيليّ لغياب الطروحات والشروحات الآتية من خارج صندوق اﻷفكار المُعلَّبة والتقليديّة، تلك التي قادت المنطقة إلى  حالة انسداد تاريخيّ، وجاء القرار اﻹماراتيّ ليحرّك المشهد ويفتح الباب واسعًا للتجربة والاختبار، وتقديم الفرصة وتقييم النوايا، وهو أمر لا يقدر عليه إلا الشجعان من القابضين على جمر الإرادة من غير خجل أو وَجَل، وبدون خوف من خوض غمار معركة السلام، الأشقّ من معارك الحروب.

المفهوم التقدّميّ للسلام الإماراتيّ، حتمًا سيغيّر اﻷوضاع ويُبَدِّل الطباع، ويكفي أنه يسعى في طريق سدّ سبل توالد الكراهية وإنهاء أزمنة الغيتو، ورفض مفهوم اﻷقلّيّات السلبيّ.

حين يزول خوف رجل الشارع اليهوديّ من تصوّرات التهديد العربيّ للوجود، سوف ينشأ ولا شكّ نمطٌ جديد من هيكليّة الاستقرار والاستمرار في البناء الخلّاق، ما يعني أنّ عالمًا سلميًّا جديدًا ينشأ في اﻷفق القريب وليس البعيد.

تخبرنا صفحات التاريخ أنّ يهود القرون الوسطى  حين كانوا يخرقوا ويُحرَقون ويغرقون في أوربا  من جرّاء التمييز العِرْقيّ والمذهبيّ، وجدوا في العالم العربيّ والإسلاميّ ملجأهم، وهناك عاشوا قرونًا طويلة، ربّما لم تكن سخاءً رخاءً بالمعنى المطلق، لكنّ هذا لا يعني أنّهم حفظوا حيواتهم وممتلكاتهم، تاريخهم وعلومهم، وشارك الكثيرون منهم في نهضة تلك الدول العربيّة في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين بنوع خاصٍّ، ووصل بعضٌ منهم إلى مراتب متقدّمة، ما يعني أنّه كان هناك سلام تقدُّميّ قبل أن تنشأ دولة إسرائيل، وما جرى من عدوان لاحقًا لم يكن إلا بسبب الاحتلال غير المبرَّر عقلاً أو نقلاً على الأراضي الفلسطينيّة.

حين تكتب الصحافة اﻷلمانيّة وتصف تجربة "روس كربيل"، اليهوديّ الجنوب أفريقيّ والذي يعيش في اﻹمارات منذ العام 2008 ، وعن تجربة الجالية اليهوديّة هناك، وكيف تلقى تسامحًا وتعاونًا، وتعيش مواطنةً خلاّقة، وكيف أنّه بات يعتبر اﻹمارات وطنه، فإنّ شيئًا جوهريًّا قد تغيَّرَ، الأمر الذي دعا الحاخام "يهودا سارنا"، الذي يعيش في نيويورك ويسافر إلى الإمارات أربع مرّات في السنة على اﻷقلّ لزيارة الجالية اليهوديّة إلى القول "وجود جالية يهوديّة جديدة في قلب العالم العربي منذ قرون هو حقيقة تاريخية اليوم".

لم يستوعب الكثيرون زيارة السادات للقدس إلا بعد أربعة عقود ..مَن يدرك قيمة السلام التقدّميّ الإماراتيّ اليوم؟