كل ما قد يخطر على البال من أحداث جسيمة في هذه الفترة، من الانقلابات العسكرية إلى تفتت تجارب الديمقراطية البرجوازية، من فشل التنمية المستدامة إلى تكريس أنظمة حكم شمولية مارست الفظاعات بحق شعوبها، من الحروب الأهلية إلى الحروب الدولية والإقليمية، من صعود التنظيمات والحركات الراديكالية، مروراً بالمقابر الجماعية واتساع التصحر وزيادة التلوث البيئي وانتشار الفقر وتوسع العشوائيات، وكل كل شيء آخر، يمكن رده وربطها بتلك الحرب العربية الإسرائيلية، الطويلة والمفتوحة. فمجموع هذه الأوجاع والممارسات والأحوال ما كان لها أن تكون، أو على الأقل ما كان لها أن تكون بهذا المستوى من السوء والقسوة والعنف والعدمية، لولا تلك الحرب، أو لولا أن هذه الحرب كانت مستعرة ودائمة إلى هذا الحد.

كانوا قلة قليلة، حكماء المنطقة الصادقين مع مجتمعاتهم، الذين كانوا يعرفون ذلك من البدايات، الذين كانوا يُبصرون في هذا الصراع ما هو أبعد من مسألة صراع على الأرض، أمثال الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة ونظيره المصري محمد أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين. هؤلاء الذين كانوا يحملون في خبيئة أنفسهم حكمة أثيرة من الرئيس الأميركي جون كنيدي، تلك التي قالها في كتابه الشهير "ضروب من الشجاعة": (لم يخترنا الناس في الحُكم لنحقق ما يثير غريزتهم وتصفيقهم، لكن لثقتهم بأننا نستطيع أن نختار السياسات والقرارات التي تحقق مصالحهم الأوسع والأبعد مدى، وإن كانت تتعارض مع مخيلتهم ومتطلباتهم الآنية المباشرة).

مقابل هؤلاء، كان ثمة الكثير من القادة والساسة والنُخب السلطوية الشعبوية، التي فضلت تحصيل مزيد من السلطات السياسية والمادية والرمزية، عبر نشر خطابات وتوجهات سياسية يمينية شعبوية، تعرف في قرارة أنفسها بأنها لا يمكن أن تحقق إلا مزيداً من التأزم والعرقلة لكل أشكال الحداثة والسلام الاجتماعي والرفاه الاقتصادي في أوساط مجتمعاتها، ومن دون أن تحقق أي شيء مما تدعيه. 

غياب تلك النُخب كان ذا جرعة تأثير مضاعفة، لأن الصراع العربي الإسرائيلي لم يكن يشبه أي شكل من أشكال الحروب التقليدية، التي كانت تؤدي لهزيمة واحد من الطرفين المتصارعين، وبالتالي تنتهي ويُعاد بناء الحياة بين المتخاصمين على أسس وتوازنات جديدة.

بالوقت عينيه، لم يكن نفس الصراع نمطاً من تزاحم وتنافس الأمم والدول المتجاورة، التي يحدث بينها توترات بين فترة وأخرى، ما تلبس أن تبرد وتعود حالة الهدوء.

كان هذا الصراع تكريساً مريراً للاستعصاء الدائم، لا حرب طويلة وناجزة، ولا هدوء وسلام. كان فقط استعصاء كلياً في كل شيء، وبالتالي استحالة التفكير بأي ظاهرة أو حدث بطريقة اعتيادية وموضوعية، وبذا توفر إمكانية تقرير أي شيء بشأنها، تفاعلاً معها أو تجاوزاً لها.

كان ذلك الاستعصاء العمومي آلية عظمى لفرز أشكال غير منتهية من الاستعصاء في كل تفصيل آخر، بما في ذلك استعصاء قدرة الناس على ممارسة حياة عامة بسيطة فيما بينهم، فالصراع العربي الإسرائيلي كان حالة من الوجوم، التي تُشعر كل من يعيش في ظلالها بأنه ثمة ما هو أكبر وأكثر طاقة وحيوية من كل حياتهم. كان يحدث ذلك، لأن ذلك الصراع كان ينتمي لعالم الصراعات الصفرية العدمية، التي تجر معها وتنشر العلاقات الصفرية والنزعات العدمية إلى كل تفصيل في حياة المتخاصمين. فصوت المعركة العالي لم يكن يعلو فوق كل صوت آخر فحسب، بل كان يكتم كل صوت آخر، بالتالي صارت الحياة بلا صوت قط. 

النظامان البعثيان في سوريا والعراق قدما نموذجاً تجريبياً واضحاً عن ذلك. فما بذله النظامان من شعبوية نضالية متحمسة للانخراط الأبدي في ذلك الصراع، أنتج قوانين دائمة للطوارئ في دولتهما، وإلى جانبها أنتج حروباً أهلية داخلية، وتبديداً تاماً لثروات البلدين، وحروباً شعواء على كامل المحيط، وطبعاً علاقة صراعية كاريكاتورية بين نفس النظامين اللذين كانا يدعيان وحدة موقفهما ورؤيتهما لهذا الصراع الوجودي.

توزع ذلك النموذج البعثي على مختلف دول المنطقة. فالنظام الليبي أنهى دولته على شكل رقعة لصراع القبائل وأمراء الحرب، ومثله بالضبط أنهت شعبوية الحُكم في اليمن، ويبدو واضحاً أن إيران تسير في نفس المركب وعلى السكة ذاتها، التي لن تؤدي إلا إلى عنوان واحد.

الفلسطينيون أنفسهم، حينما اختاروا في مراحل غير قليلة من تاريخهم السياسي أن يكون صراعهم أبدياً ووجودياً ومفتوحاً على اللانهاية، شاهدوا أنفسهم يقاتلون الأردنيين في مدنهم وقراهم، أو يحملون البندقية لحساب جزء من الشعب اللبناني لمحق الجزء الآخر، أو صاروا مجرد وكلاء للقوى الإقليمية على حساب قضيتهم وحقوقهم العادلة.

ليس لأحد أن يقول إن الجانب الفلسطيني يتحمل المسؤولية وحده، بل كان ثمة يمين إسرائيلي يماثل الشعبوية الفلسطينية/العربية النظيرة على الدوام، يغذيها ويعتاش عليها، من موقع المضاد المكمل. ولأجل ذلك بالضبط، كانت مهام وتطلعات قوى الاعتدال شديد الصعوبة على الدوام.

استفادت قوى الابتزاز السلطوية من كل شيء لإدامة الصراع العربي الإسرائيلي إلى ما لا نهاية. من الطروحات القومية وخطابات الإسلام السياسي، من مظلومية الشعب الفلسطينية وتعنت اليمين الإسرائيلي، من بساطة مشاعر المتضامنين المحليين مع المسألة الفلسطينية إلى شعبوية الطروحات الخلاصية. في نفس ذلك الوقت، لم تكن قوى الاعتدال تملك آليات للتضامن الذاتي فيما بينها، بطريقة تتمكن فيها من ازاحة هذه الاستعصاء الكلي عن كل دروب الحياة، أو عن بعضها على الأقل.