الوباء فيلسوف؟

بالطبع الوباء هو الفيلسوف الذي حلّ في واقع غيبوبتنا، لكي يشكّكنا في مسلّماتنا، كما يليق بكل حكيم يعتنق دين القصاص، كأداة لتقويم العالم. وعلّ أول درس في معجم هذا العرّاب هو: الاعتصام بالرباط. الرباط كعملة بوجهين: فهو، من ناحية دعوة لتوطيد أركان الرباط بين الإنسان وأخيه الإنسان، وهو، من ناحية أخرى، نذير يتغنّى بضرورة فك الارتباط، بوصفه التعويذة في تحقيق الخلاص.

ففي الحال الأول أشعَرنا كم نحن أطفال أشقياء في ظلّ غيابنا عن حميم لنا هو الإنسان، وفي الحال الثاني برهن لنا كم حضورنا خطر في حقّ قريننا الإنسان؛ مما يعني كم هي معقّدة أحجية هذا الوجود، وكم ملتبسة علاقة الإنسان بأخيه الإنسان! فالرباط، من حيث المبدأ، مصطلح مستعار من معجم التصوّف، للتدليل على أهميّة العزلة في العملية القيصرية العصيّة التي يحقق الإنسان بموجبها حلم البعث. وهو تعريف، في اللغة، رديف للزاوية التي يتبتّل فيها المريد للاختلاء بالذخيرة المجهولة التي تسكنه. أي مجازياً هو: الضريح! الضريح، ليقينٍ بأن الميلاد الثاني رهين دفن النفس في ميتة صغرى للجسد لا تختلف عن الميتة الحرفية إلاّ في المرتبة. إحداهما في حدود دنيا، وأخرى في أبعاد قصوى. وكون الرباط ميتة هو ما أفزع الإنسان الحداثي المدلّل، وأعجز السلطات على ترويضه كي يلتزم بيته، أي يعتزل القرين الذي لم يكتشف إلاّ الآن كم هو حميم هذا القرين الذي لم يتردّد، زمن غياب الوباء، في أن يقترف في حقّه صنوف الآثام، بل ويناصبه أجناس العداء، بعد أن اكتشف أن وجود القرين يحمل في أعطافه العدوى، يحمل الفناء في حضوره الحرفيّ، في حضوره البدني، ولكنه لا غنى له عنه، لأن فيه أيضاً يكمن العزاء، فيه يكمن الشفاء الروحي، لأن اغتراب الإنسان عن أخيه الإنسان أيضاً داءٌ لا يقلّ قسوةً عن الوباء. وهنا تسكن المفارقة!

 فإذا كانت العزلة، المقنّنة اليوم بحرف الطوارئ، قصاصاً بالنسبة لإنسانٍ كان إلى وقتٍ قريب يعتنق دين "الإنسان للإنسان ذئب"، فكيف يستطيع هذا الإنسان أن يحقق التفوّق المأمول لكي يقنع نفسه بأنه قويّ، لأن القوّة رهينة القبول بالعزلة قدراً، وكيف يؤمن بحبّ حريّة، هي بكل المقاييس رهينة احتراف العزلة؟

فالتحدّي التراجيدي يسكن دوماً حرف الأضداد. وليس لإنساننا الشقيّ اليوم، لكي يجد ثغرة في النفق المسدود، إلاّ أن يستعين بوصيّة الأسلاف في الصحراء الكبرى الذين لم يكفّوا عن التغنّي بالمعادلة القائلة: "باعدوا بين بيوتكم، ولكن قاربوا بين قلوبكم!".

الاثنين 11 مايو 2020

ماذا تعني نزعة "فكّ الارتباط" التي يعتنقها الوباء في حقّ واقع إنساننا اليوم؟

نزعة فكّ الارتباط تعني استهداف علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

وهي تلك العلاقة التي لا تنتعش كما تنتعش في واقع العمران، حيث لا يتبادل الإنسان المشاعر الإنسانية مع أخيه الإنسان إلاّ بقدر ما يتبادل معه الصفقة الدنيوية في بُعدها النفعيّ، تحديداً التجاري، والدليل يهبه لنا المال بالمجّان، حيث يغدو في العلاقة وحدة قياس، لأن كل مالٍ، صامتٍ أو ناطقٍ، فهو علاقة، كما يروق للثعالبي أن يتغنّى.

واعتناق دين العلاقة في واقع العمران هو ما يجعل من هذا الواقع جنّة الرواية، برغم حقيقته الوجودية المعادية بطبيعتها للشعر، سيّما فيما إذا شئنا أن نخضعه للمقارنة مع واقعٍ آخر، مغترب عن الواقع، كما هو الحال مع واقع الإنسان البرّي، أو الإنسان الصحراوي تحديداً، حيث لا يجتمع الناس إلاّ لينفضّوا، ولا يتقاطعون إلاّ ليفترقوا.

ألهذا السرّ حرصت نظرية الرواية على إقصاء الصحراء كواقع اغتراب عن الفردوس الذي تنتعش فيه الرواية؟

 نستطيع أن نعتمد هذه الحجّة كقياس في حال آمنّا بأن العلاقة، في بُعدها النفعيّ العمرانيّ، هي شريان العمل الروائي الوحيد، كما برهنت التجربة إلى وقت قريب، لو لم تتدخّل الرواية الصحراوية أخيراً لتسفّه هذه الحجّة، التي سادت في عالمنا طويلاً، عندما استبدلت مبدأ العلاقة في بُعدها الدنيوي، أو العمراني، أو بالأصحّ، النفعيّ، أي الحرفي، لمبدأ العلاقة في بعدها الرمزي، أو بالأصحّ، الروحيّ، ليغدو محور الرواية ليس العلاقة، لكن المركز يغدو الإنسان. ذلك الإنسان الذي يدير دفّة هذه العلاقة، وينفخ في الشريان أنفاس الحرية التي تُحيي، بدل قُوت الحرف الذي يُميت، لتستقيل الرؤية من حدود واقع الحسّ، لتقدّم أوراق اعتمادها لدى جناب الحدَس الذي تستعير منه الرؤيا صلاحيّاتها منذ الآن.

الثلاثاء 12 مايو 2020

هل القيامة مفهوم قصاص، أو القيامة مفهوم خلاص؟

المدهش أن يكون حدث جسيم كالقيامة، مشتقّاً، في اللغة، من القيام، في حين علق في أدهان أهل التقوى بالسقوط؛ لأن ما هي القيامة في المفهوم الشائع إن لم تكن تجربة حشر، تضع الخاتمة في ملحمة وجود؟

فعندما يجبر الوباء الناس كي يحشروا أنفسهم في معتقلٍ هو البيوت، فتلك قيامة صغرى، تحاكي مسلك القيامة الموعودة، في صيغتها الكبرى، لأن القيامة قيامات، أي مستويات، الطوفان درجة أولى في السلّم، كما عشنا في كارثة تسونامي 2004، والوباء الذي أصاب الكون بالشلل جديرٌ باحتلال المرتبة الثانية في المقاربة، لينتهي المطاف بالقيامة في درجتها القصوى، التي تتوعّدنا بها المتون المقدّسة كمثول للمساءلة في ساحة الغيوب.

فإذا تأمّلنا المفهوم مليّاً لن يعجزنا أن نقنع بحقيقة القسمة السالفة التي إذا كانت تستعير في المجال الأفقي بُعداً ثلاثياً، فإنها، في المجال العمقي، تكتسب بُعداً ازدواجيّاً، برغم الوحدة في الهويّة، بوصف القيامة تجربة غيبيّة.

فهناك القيامة الكونية، المعنيّة بعموم الجنس البشري، وهناك قيامة من طينة أخرى، معنيّة بالكون في صيغته الصغرى، أي الإنسان الذي يختزل الكون في شخصه، بحيث يغدو نموذجاً لهذا الكون، وقيامته، يقيناً، تصلح نموذجاً لقيامته في صيغتها الكوسموبوليتيّة.

فالقيامة، كما يسوّقها لنا اللاهوت، هي تجربة بعث، تعقب مِيتة حرفية، أو ميتة رمزية. وهو بعثٌ يتوّج عبوراً عصيّاً، ضربٌ من معراج يخضع فيه المُريد للمساءلة الأعسر، في محكمة البعد الضائع، لينتهي الاستجواب بأعرافٍ، تقود، بالتالي، إلى الميلاد الثاني: الميلاد بالروح!

 فالقيامة، من وجهة نظر اللاهوت، تفترض عدَماً، تفترض محوَاً. محو يعقبه قيام. وهو ليس مجرد قيام. ليس مجرد بَعث. ليس مجرد حضور كأيّ حضور، ولكنه حضورٌ مشروط. حضورٌ هو بمثابة ميلاد جديد، علّ أهم ما فيه هو أنه رهين مساءلة. أي أنه خضوع لكشف حساب. وانتظارٌ لكلمة قضاء. كلمة هي حُكمٌ. حكمٌ، العاقبة فيه نطقٌ بقصاص. وهو ما عوّلت عليه اللغة عندما اعتمدت كلمة "قيامة" كرديفٍ لحزمة مفاهيم: مفاهيم تبدأ بالسقطة، السقطة كمعادل للمِيتة. مِيتة هي سكونٌ مجهول الأمد. سكونٌ قد يستغرق ديمومة كالأبدية، قبل أن تبدأ مسيرة، الاستيقاظ منها رهين قيام. قيامٌ يتواصل في عملية يسمّيها اللاهوت حشراً. إلى أن تبلغ الذروة بالمقام، بالقيام، بالوقفة في حرم القضاء الذي لا يأتيه الباطل، وحكمه مطلق المفعول، الميلاد الثاني فيه، رهين فحوى هذا الحُكم. فالميلاد، الذي يستعير هنا طبيعة روحية، هو خلاص مرهون بقصاص. قصاصٌ هو، بمنطق اللاهوت، بمثابة مطهّر، يرد في الأدبيّات الدينية باسم: الأعراف.

والوباء عندما يقبل كقيامة، فهو خطابٌ ليس موجّهاً في الواقع للفئة التي ارتحلت، ولكنه خطاب موجّهٌ للفريق الذي استبقاه. وهو وحده المعنيّ بمراجعة سيرورته كلها، بحيث تخضع للمساءلة العصيّة، القادرة على تطهير الوجود من اللعنة. من الإثم، كي نستطيع أن نَعبُر، لنحقق معجزة الميلاد الثاني.

وهكذا فإن قيامتنا تسكن حرف وجودنا، وخلاصنا يسكن بعث روحنا.